استطلاعات

هل تنهار الأسواق؟ .. "كورونا" يفجر أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم

image

لا يزال تفشي فيروس "كورونا" يؤرق العالم متحديًا سلسلة الإجراءات والتدابير الاحترازية على الصعيدين الصحي والاقتصادي، ما يزيد أوجاع وأسقام الاقتصاد العالمي يومًا تلو آخر مع تجاوز المصابين الـ 600 ألف مصاب والوفيات ما لا يقل عن 31 ألفًا وتفاقم تبعات ذلك على انهيار الأسواق المالية بنحو غير مسبوق.

وفي هذا الشأن قال محللون ومتخصصون في إفادات لـ "اندبندنت عربية"، إن حجم التأثير الاقتصادي سيعتمد على طول فترة مكافحة الجائحة والسيطرة على الفيروس ومنع انتشاره، فالسؤال الذي يشغل الجميع متى ستنتهي أزمة "كورونا" وتعود حركة الاقتصاد العالمي إلى طبيعتها؟  ولكن الإجابة لا تزال غير معروفة حتى الآن.

العالم أمام أزمتين


وفي هذا الصدد، قال سعيد الشيخ، عضو مجلس الشورى السعودي والمتخصص الاقتصادي، إن العالم في ظل تفشي "كورونا" أمام أزمتين متلازمتين ولا يمكن الفصل بينهما وسط تزايد وتيرة أعداد الإصابات وارتفاع الوفيات، والتداعيات اللاحقة التي شملت حظر السفر داخليًا وبين دول العالم وإغلاق الأسواق وتعطل كثير من الأعمال.

وأوضح الشيخ أن الأزمة الأولى، هي الأزمة الصحية التي تتعلق بوضع حد لزيادة عدد الوفيات والإصابات ومواجهة نقص الإمدادات الطبية والسعي بكل ما يمكن في تسخير الجهود نحو اكتشاف علاج للمصابين الحاليين وكذلك تطوير لقاح ضد هذا الفيروس لمواجهته في الحد من زيادة المصابين.

وأشار إلى أن بيان قمة الـ 20 أكد على تخصيص الموارد المالية ودعم مراكز الأبحاث الطبية من أجل تحقيق هذين المطلبين، والأهم هو التنسيق مع الهيئات الصحية العالمية وما بين وزارت الصحة على مستوى دول العشرين وبقية الدول لمحاصرة هذا الوباء.

أما الأزمة الثانية فيرى الشيخ أنها تتمثل في التداعيات الاقتصادية التي سببتها إجراءات حظر السفر وإقفال الأسواق؛ وما يتبعه من إفلاس بعض الشركات نتيجة تجمد الحركة داخل الأسواق، في وقت إذا تعذر على الشركات الحصول على الاعتمادات المالية سيضطرها إلى تسريح بعض عمالتها أو ربما إيقاف نشاطها.

وأفاد المتخصص الاقتصادي بأن البيان الختامي لقمة الـ 20 أكد أهمية السياسات الاقتصادية في مواجهة صدمة العرض أو الإمداد، والحيلولة دون أن تتحول هذه الصدمة الأولية في جانب العرض إلى صدمة أخرى في جانب الطلب.

وقال الشيخ إنه على صعيد السياسات المالية يتطلب دورها من خلال تخفيضات ضريبية واسعة النطاق للشركات، ومدفوعات نقدية مباشرة للعاطلين عن الأعمال؛ وفي ذات الوقت تقوم البنوك المركزية في خفض معدلات الفائدة وضمان وفرة السيولة واستمرار تدفق التمويل.

وأكد أن هذه الإجراءات الواسعة النطاق التي أشار لها بيان قمة العشرين سوف تيسر للمستهلكين حركة الشراء واستمرار الطلب، وبالنسبة للشركات سوف توفر المرونة المالية لمعالجة أوضاعها واستمرارية إنتاجها بما يضمن عدم انهيارها وإفلاسها.

وتتعلق آمال العالم بنتائج قمة مجموعة العشرين الاستثنائية التي استضافتها السعودية عبر تقنية "الفيديو كونفرانس"، الخميس، للخروج بمبادرات تحقق طموحات شعوب الأرض الذين يعيشون أصعب أوقاتهم بسبب تداعيات فيروس كورونا الضخمة على كافة الأصعدة الصحية والاقتصادية والاجتماعية.

ويعد إعلان مجموعة الـ 20، التي تضم أكبر 20 اقتصادًا في العالم، عن إجراءات لضخ خمسة تريليونات دولار لحماية الاقتصاد العالمي خطوة مؤثرة في طريق أزمة "كورونا" التي تهدد بأن تفوق تبعاتها الاقتصادية الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي انفجرت في سبتمبر (أيلول) 2008، واعتبرت الأسوأ من نوعها منذ زمن الكساد الكبير سنة 1929، ولعب قادة المجموعة دورًا رئيسًا في انتشال الاقتصاد العالمي من تبعاتها والتخفيف من حدتها آنذاك.

والجمعة، وافق مجلس النواب الأميركي على حزمة قيمتها 2.2 تريليون دولار، الأضخم في تاريخ الولايات المتحدة، لمساعدة الأفراد والشركات في مواجهة التباطؤ الاقتصادي الناتج عن تفشي فيروس كورونا، وسارع الرئيس دونالد ترمب إلى توقيعها كي تصبح قانونًا ساريًا.

مضاعفة أوجاع الاقتصاد العالمي


وفي هذا الشأن، قال عبد العظيم الأموي، رئيس قسم الأبحاث لدى أسواق المال.كوم، إن التسارع الشديد في انتشار "كوفيد-19" واتساع دائرة العدوى ونقلها يجعل العالم أمام تحدٍ جديد ويضاعف أوجاع الاقتصاد العالمي، مشيراَ إلى أنه حتى الآن التباعد الاجتماعي هو الوسيلة التي اتفق عليها معظم الدول حول العالم استهداءً بتجربة الصين، ولكن هذه الوسيلة تترتب عليها آثار اقتصادية تتضاعف بمرور الوقت.

وأضاف الأموي، "إن مكوث الأشخاص في المنازل لأسابيع أدى إلى توقف النشاط الاقتصادي وتوقف عجلة الإنتاج وتعطل قطاعات اقتصادية مختلفة، لذا حجم التأثير الاقتصادي سيعتمد على طول فترة المكافحة والسيطرة على الوباء ومنع انتشاره، وهذه النتيجة غير معلوم متى يمكن الوصول إليها. وهنا تمكن صعوبة توقع الفترة الزمنية التي سيستمر فيها النشاط الاقتصادي تحت تأثير التباعد الاجتماعي".

"كورونا" يؤسس لتحالفات دولية جديدة


وحول نقص الإمدادات الطبية، يرى الأموي أنه سيكون له تأثير في العلاقات الدولية وربما يقود إلى تحالفات جديدة معتمدة على الدبلوماسية الناعمة والمساعدات الإنسانية، مثلا الصين أصبحت لديها خبرة في التصدي لهذه الجائحة فتستطيع استثمار هذه الخبرة في نسج تحالفات دولية جديدة. وأشار إلى أن القمة الافتراضية لمجموعة الـ 20 التي نظمتها السعودية خلال الأيام الماضية مهمة جدًا وترفع من درجة الموثوقية في التنسيق الدولي المشترك إضافة إلى الدعم المالي للدول الأقل نموًا لمساعدتها في التصدي لهذه الجائحة.

وبالنسبة للسيناريوهات الاقتصادية بالفترة المقبلة، قال الأموي، "الاقتصاد العالمي سيختبر مرحلة صعبة خلال النصف الأول من 2020. وأتوقع انكماش أغلب الاقتصاديات الكبرى خلال الفصلين الأول والثاني من هذا العام وتعتمد درجة الانكماش على طول فترة التباعد الاجتماعي والخروج من هذه الأزمة الصحية، كما أتفق مع توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن التأثيرات الاقتصادية ربما تستمر لأكثر من عام".

ركود الاقتصاد العالمي


من جهته، يرى أحمد معطي، المدير التنفيذي لشركة "فيرجن إنترناشيونال ماركتس" في مصر، أن تداعيات "جائحة كورونا" أسوأ الأزمات الاقتصادية التي مرت بالعالم لارتباطها بأزمة صحية في المقام الأول أمام عدو جديد ينتشر بسرعة فائقة ولا يوجد له علاج حقيقي حتى اللحظة. وأوضح أن الإجراءات الاحترازية كلها أكدت أن العزل الاجتماعي هو الذي أدى لحالة شلل في أغلب القطاعات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة بشكل كبير وتكبد الشركات خسائر ضخمة وإفلاس البعض.

ولفت إلى أن هناك حالة ضبابية في اقتصاديات الدول بالكامل وصعوبة في اتخاذ حلول مما جعل صندوق النقد الدولي يفيد بأن الاقتصاد العالمي دخل في مرحلة ركود سيئة أو أسوأ من الأزمة المالية، كما صرح جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي أن الاقتصاد الأميركي ربما دخل في حالة ركود، وقال معطي، "تستمر التبعات الاقتصادية في التفاقم كلما زاد تفشي الفيروس واتسعت دائرة انتشاره، مثلما رأينا ارتفاع إعانات البطالة في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها حيث ارتفعت إلى 328 ألف طلب. وأتوقع شخصيًا أن تزيد هذه الأعداد أكثر من ذلك في تقرير الشهر المقبل، على الرغم من أن الاقتصاد الأميركي كان يعيش أفضل فتراته في سوق العمل ودائمًا ما كان ترمب يتباهى بأداء مؤشرات سوق العمل الأميركية".

الاقتراب من مرحلة الكساد


وقال المدير التنفيذي إن الفترة الحالية تشهد مرحلة ركود اقتصادي وإذا استمر الوضع لفترة زمنية أطول لأكثر من شهرين من دون وجود علاج ولا انخفاض في حالات الإصابة سندخل في مرحلة الكساد وهي المرحلة التي ينخفض فيها الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10 في المئة أو أكثر.

وتوقع معطي انتهاء هذه الأزمة بشرط وجود علاج مما سيؤدي إلى رجوع الحياة إلى طبيعتها، ولكن سيستغرق مدة تتراوح بين عام إلى عامين، وسنرى حينها إعادة تشكيل للاقتصاد العالمي وبروز شركات جديدة على الساحة، واختفاء شركات أخرى تعرضت للإفلاس بفعل الأزمة، وأضاف، "في ظل الأزمة الحالية لا أحد يستطيع التكهن حتى اللحظة متى تنتهي؟ لذلك ما تقوم به البنوك المركزية في استخدام أدواتها النقدية من تخفيض معدلات الفائدة وأيضًا ما تقوم به الدول من تحفيزات في السياسة المالية كل هذا ما هو إلا مسكنات قصيرة الأجل، وليست علاجًا للأزمة الفعلية".

وأوضح أن الإجراءات مهمة للحفاظ على الاقتصاد وعلى ثروات الشعوب لحين الوصول إلى حل جذري لـ"كورونا". وحول قرارات قمة الـ 20، قال معطي إن الإجراءات التي أقرتها القمة لعلاج تداعيات "كورونا" على الأسواق العالمية لن تنهي الأزمة لأن أغلب هذه الحلول مالية وليست علاجًا نهائيًا لـ "كورونا" ولكنها بالتأكيد ستساعد في حل الأزمة.

معركة أسعار النفط


وأشار معطي إلى أن هناك معركة أخرى تؤرق الأسواق العالمية وهي حرب أسعار النفط التي تقودها السعودية أمام روسيا والعالم التي أدت إلى خسائر كبيرة لأغلب شركات النفط المنتجة حول العالم ودفعت شركات النفط الصخري الأميركية لخفض الإنتاج وتقليل النفقات عبر تسريح موظفين وأيضا تقليل تخفيض مرتبات المديرين التنفيذيين إلى النصف في ظل أسعار النفط الحالية التي تتراوح بين 25 و30 دولارًا للبرميل.

ولفت معطي إلى أن نقص الإمدادات الطبية يهدد العلاقات الدولية، وبالتالي سينعكس ذلك على العلاقات الاقتصادية مستقبلًا، مضيفًا "كل الدول تعاني توفير أجهزة التنفس والكمامات والإمدادات المطلوبة مع تضاعف أعداد الإصابات بالأسبوع الأخير من 300 ألف إلى أكثر من 600 ألف حالة".

اترك تعليقا